السعيد شنوقة

95

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

وهكذا زادت حاجة المسلمين إلى الرأي فلزم وبلزومه انقسم الفقهاء إلى : أهل الرأي والقياس « 1 » وهم الذين جعلوا للرأي مكانة في استصدار الأحكام مع الكتاب وكان إمامهم أبا حنيفة ( ت 150 ه ) من أهل العراق ، وإلى أهل الحديث وهم أكثر أهل الحجاز الذين امتنعوا عن الرأي فلم يعملوا به . أما أهل العراق فإنهم على الرغم من انقسام علمائهم ما بين المتشددين والمتساهلين في العمل بالرأي فقد تحرّجوا من الأحاديث النبوية الكثيرة ، وعلّلوا تحرّجهم بالبعد الزمني بين الناس وبين مصدر التشريع وعدم ثقتهم بصحة الكثير مما روي من الأحاديث « 2 » لكنهم أخذوا برواية الجماعة عن الجماعة أو بما ثبت تواتره ، لهذا كان أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة يقول : « عليك من الحديث بما تعرف العامة وإياك والشاذ منه » « 3 » . لقد تولّد عن نزوع المتكلمين - والمعتزلة بخاصة - إلى المنهج الجدلي أن نفر المحدّثون والفقهاء من طريقة جدلهم وأسلوب إقرارهم العقيدة الإسلامية والدفاع عنها مثلما نفروا قبل من القول « بالقدر » « 4 » ونفي الصفات عن الله تعالى . ونحن نعتقد أن هذا النزوع العقلي لدى المتكلمين عموما أثر من آثار الثقافة الإسلامية أولا لأن القرآن يعلي صراحة من شأن العقل ويجعله خصيصة إنسانية يترتب عليها تحمل المسؤولية . ولم يكن اعتداد المعتزلة بالعقل قبل النقل للرد على الخصوم فحسب وإنما نزعوا هذا المنزع فيما يقول بعض الدارسين « 5 » ليرفعوا مستوى الصراع الذي دلّت عليه عصبية الفرس المفاخرة بقوميتها أمام القومية العربية منذ أواخر الدولة الأموية التي انتهت بقيام الدولة العباسية ثم ما لبثت أن ازدادت حدتها فصار التفاخر على العرب بحضارتهم وفلسفتهم وتراثهم الفكري ، ووصلوا حدّ رمي العرب بالبداوة . بيد أن العرب قابلوا ذلك بأنهم الأشرف لنزول القرآن

--> ( 1 ) انظر ديبور ، تاريخ الفلسفة في الإسلام ، نقله إلى العربية وعلق عليه د . محمد الهادي أبو ريده ، دار النهضة العربية ، بيروت ( د . ت ) ، ص 61 / ، 62 ود . مهدي المخزومي ، مدرسة لكوفة ، ص 128 . ( 2 ) انظر : د . مهدي المخزومي ، مدرسة الكوفة ، ص 29 . ( 3 ) م ن ، ص 29 . ( 4 ) أي الإنسان يقدر على أفعاله وعلى الاختيار ومن أنه مسؤول . ( 5 ) انظر د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة ، ص ، 46 - ليست النزعة العقلية عند المعتزلة بعيدة عن روح الإسلام لأن القرآن الكريم فسح المجال للنظر العقلي الاستدلالي في العقائد وللبحث في الكون . انظر عثمان أمين دراسات فلسفة ، مجموعة مقالات منها مقال أبو الوفاء التفتازاني ، القاهرة 1974 م ، ص 39 .